أحمد بن محمد مسكويه الرازي
233
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
ما من وجه ، فان بينهما اتفاقا ذاتيا ، وأعني بالذاتي ههنا ان الوالد يرى في ولده انه هو هو ، وإنّه نسخ صورته التي تخصّه من الإنسانية في شخص ولده نسخا طبيعيّا ، ونقل ذاته إلى ذاته حقيقا ، وحق له أن يرى ذلك لأن التدبير الإلهي بالسياسة الطبيعية التي هي سياسته عز وجل ، هو الذي عاون الانسان على انشاء الولد ، وجعله السبب الثاني في ايجاده ونقل صورته الانسانية اليه . ولذلك يحب الوالد لولده جميع ما يحبه لنفسه ، ويسعى في تأديبه وتكميله بكلّ ما فاته في نفسه طول عمره ، ولا يشق عليه أن يقال له ولدك أفضل منك ، لأنّه يرى أنه هو هو ، وكما أن الانسان إذا تزايد في نفسه حالا فحالا وترقى في الفضيلة درجة فدرجة ، لا يشق عليه أن يقال له انّك الآن أفضل مما كنت ، بل يسره ذلك ، وكذلك تكون حاله إذا قيل له في ولده مثل ذلك ، ثم تفضل أيضا « محبة الوالد » على « محبة الولد » بأنه الفاعل له ، وبأنه يعرفه منذ أول كونه ويستبشر به وهو جنين ، ثم تزداد محبته له مع التربية والنشأ ، ويتأكد سروره به وتأميله له ، ويحدث له اليقين بأنه باق به صورة وان فنى بجسمه مادة ، وهذه المعاني الجليلة عند أهل العلم تتراءى للعوام كأنها من وراء ستر . وأما « محبة الولد » للوالد فإنها تنقص عن هذه الرتبة بان الولد مفعول ، وبأنه لا يعرف ذاته ولا فاعل ذاته إلا بعد زمان طويل ، وبعد ان يستثبت أباه حسا وينتفع به دهرا ثم يعقل بعد ذلك أمره بالصحة ، وعلى مقدار عقله واستبصاره في الأمور يكون تعظيمه لوالديه ومحبته لهما . ولهذه العلة وصى اللّه عز وجل الولد بوالده ، ولم يوص الوالد بولده . « 1 » وأما محبة الاخوة بعضهم لبعض فلأن سبب كونهم ونشئهم واحد
--> ( 1 ) . في الحقيقة هذه حالة نفسية ، يقرّها علماء النفس في التربية وسيكولوجيّة الإنسان .